محمد حسين الذهبي

344

التفسير والمفسرون

بالقسط » مثل اعتدال نشأة الإنسان » إذ الإنسان لسان الميزان « ولا تخسروا الميزان » أي لا تفرطوا بترجيح إحدى الكفتين إلا بالفضل . وقال تعالى « وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ « 1 » » فأعلم أنه ما من صنعة ولا مرتبة ولا حال ولا مقام إلا والوزن حاكم عليه علما وعملا ، فللمعانى ميزان بيد العقل يسمى المنطق ، يحتوى على كفتين تسمى المقدمتين ، وللكلام ميزان يسمى النحو يوزن به الألفاظ لتحقيق المعاني التي تدل عليه ألفاظ ذلك اللسان ، ولكل ذي لسان ميزان وهو المقدار المعلوم الذي قرنه اللّه بإنزال الأرزاق فقال : « وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ « 2 » » « وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ « 3 » » وقد خلق جسد الإنسان على صورة الميزان ، وجعل كفتيه : يمينه وشماله ، وجعل لسانه : قائمة ذاته . فهو لأي جانب مال ، وقرن اللّه السعادة باليمين ، وقرن الشقاء بالشمال ، وجعل الميزان الذي يوزن بالأعمال على شكل القبان ، ولهذا وصف بالثقل والخفة ؛ ليجمع بين الميزان العددي وهو قوله تعالى « بِحُسْبانٍ » وبين ما يوزن بالرطل ، وذلك لا يكون إلا في القبان ، فلذلك لم يعين الكفتين ، بل قال : فأما من ثقلت موازينه . . . في حق السعداء ، وأما من خفت موازينه . . في حق الأشقياء ، ولو كان ميزان الكفتين لقال : وأما من ثقلت كفة حسناته فهو كذا ، وأما من ثقلت كفة سيئاته فهو كذا . وإنما جعل ميزان الثقل هو عين ميزان الخفة كصورة القبان ، ولو كان ذا كفتين لوصف كفة السيئات بالثقل أيضا إذا رجحت على الحسنات ، وما وصفها قط إلا بالخفة فعرفنا أن الميزان على شكل القبان . . . ) اه « 4 » . إخضاعه قواعد النحو لنظراته الصوفية : وكذلك يخضع ابن عربى التفسير الصوفي النظري إلى القواعد النحوية

--> ( 1 ) في الآية ( 47 ) من سورة الأنبياء . ( 2 ) في الآية ( 21 ) من سورة الحجر . ( 3 ) في الآية ( 27 ) من سورة الشورى . ( 4 ) الفتوحات ج 3 ص 6 .